صورة

الفن مسؤولية

Mostfa_Mahmood

الفن أحد المواهب التي يتميز بها الإنسان، و هو مهارة ينفرد بها مثل الكلام و التفكير و حرية الاختيار، فهو المخلوق الوحيد الذي يتكلم و يفكر و يبدع.

ولكن الإنسان الذي ولد حرا و مختارا و خطاء و متمردا لم يوظف تلك المهارة دائما في الخير، و إنما انحرف بها أحيانا إلى الهوى والغرض والغواية، و إلى مجرد جلب الشهرة و الجاه و التأثير.. أحيانا بالنفع، و أحيانا بالضرر في الآخرين.

فالفن الذي  يربي العواطف رأيناه في أكثر أفلام السينما يلعب بالعواطف و يلهو بالعقول، والشعر الذي يسمو بالوجدان رأيناه في أكثر الأغاني يهبط بالوجدان ويسفل بالمشاعر، والموسيقى التي ترتفع بنا إلى آفاق الجمال والتأمل رأيناها تهبط بنا إلى الترقيص و حركات النسانيس..! وقل أكثر من هذا في هزليات المسارح، و في الحوار البذيء و في المشاهد المسفة.. وفي عروض أقرب إلى الأفعال الفاضحة في الطريق العام !

و لأن الفن يدخل إلينا الآن خلسة من تحت الباب في الصحيفة اليومية والكتاب، ويتسلل إلينا في غرفات النوم في التليفزيون والكاسيت.. فقد تحول إلى وسيلة جهنمية في تشكيل الأجيال وفي تربيتها أو إتلافها و غسل مخها. وبهذا أصبح الفنان قادرا على أن يقتل و أن يضيع و أن يميت أمة، كما أنه قادر على أن يحييها و يبعثها.

ولأن الفن سلاح قاتل، فلا يصح أن يكون حرا حرية مطلقة وحرية الفنان وحرية الفن دعاوى غير صحيحة، فالفنان حر مسئول محاسب، وكحامل أي سلاح يمكن أن تسحب منه رخصة استعماله إذا أساء هذا الاستعمال.

و إذا كان الفنان يطالبنا بأن نحميه، فالجمهور القارئ و المشاهد – وهم بالملايين – لهم هم الآخرون حق الحماية من الإسفاف الذي يعرض عليهم.

وكلمة فنان لا تعني العصمة من المساءلة، ولا تعني الحصانة، بل على العكس تعني المسئولية.. و محكمة النقد وسيف الرقابة حماية ضرورية للمواطنين.

والتليفزيون في حاجة إلى مجلس حكماء يمنع هذا السيل الهابط من الأفلام و العروض المبتذلة و الأغاني الساقطة و الحوار المسف والرقص البذيء. وليس هذا كلاما في الدين.. وإنما في أوليات علم الاجتماع.

أما الفنان الذي يسألني: هل ما أفعله حلال أم حرام؟ فأقول له: أنا لا أفتيك.. و لكن يفتيك قلبك. اسأل نفسك: هل ما تفعله نافع ومفيد للناس ؟ أم تراه ضارا بهم ؟! وستعرف أين أنت.
ولا مانع من أن يكسب الفنان و يزداد غنى، و لكن من طريق يجعل مشاهديه و قراءه يكسبون هم الآخرون و يزدادون به ثراء وغنى. أما الفنان الذي يهبط بقرائه و ينزل بمشاهديه، فإن ما يأخذه من مال لا يدخل في باب الكسب.. لكن في باب النشل!

والذي يسأل: هل هناك فن رديء ؟.. وكيف يمكن أن يسمى فنا برغم رداءته ؟.. أقول: بل هو فن.. ولا يمتنع على الفن أن يكون رديئا.. لأن الفن مهارة و موهبة، والموهبة يمكن أن يوظفها صاحبها في الخير ويمكن أن يوظفها في الشر.. وهي كالقوة العضلية و كحدة البصر وحدة السمع و سرعة البديهة الذكاء.. وكلها مواهب أحيانا توظف للخير و أحيانا للجريمة.

والفنان يمكن أن يكون شريرا، فيعبر عن شره في فنه.. ومن الأعمال الفنية العلمية ما يقطر تشاؤما، ومنها ما يسيل حقدا، ومنها ما ينبض بالعدوانية، ومنها ما يحض على الفوضى، ومنها ما يدعو إلى المادية والإلحاد والرفض والعدمية.. وأصحاب هذه الأعمال فنانون عالميون من حملة النياشين والجوائز.. ولهم جاه وشهرة وجمهور.. ولهم يخوت وقصور.

ولكن هذا الفن السالب يدخل عند الله في باب الذنب.. وإن كان في ناموس الدنيا يدخل في باب الحسنات و يدخل أصحابه في باب العظماء !

ومقاييس الدنيا تخطئ أحيانا، و هي تتغير دائما و في جميع الأحوال.. فكم من ملايين المشيعين ساروا يبكون خلف جنازة ستالين..! وكم كتابا مجده وكم مقالة عظمته! وكم تمثالا ارتفع له! وكم عملة ذهبية صكت باسمه ! ثم تغيرت المقاييس، فأصبح الممجد ملعونا، والمعظم مطرودا ! ولا ندري ماذا يجري غدا في العالم الذي يتغير فيه كل شيء !

وما يجري في بورصة العظمة الفنية أعجب ! بالأمس بيعت لوحة للفنان فان جوخ بأربعين مليون دولار.. وفي حياته كان يحاول أن يبيعها برغيفين فلا يجد مشتريا ! وبيكاسو مات في قمة مجد فني، ولا ندري بعد مائة سنة ماذا يقول الفنانون أنفسهم في تراثه الفني ! أغلب الظن أن معظم أعماله سوف تدخل في باب العبث والتجارب العبثية.

ويظل هناك مقياس لا يخطئ ولا يخيب لكل أعمال الإنسان – فنية كانت أو فكرية أو فلسفية أو سياسية أو اجتماعية – هو المقياس الذي جاء به القرآن:

(( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ <17>)) سورة الرعد.

فالفن الخير البناء هو الذي سيبقى لصاحبه، و هو الذي سيغدو له حسنة في الدنيا و حسنة في الآخرة. أما الفن الضار والهدام والهابط، فهو الخسارة و البوار، مهما جلب لصاحبه من ثراء ومال ومجد دنيوي، ومهما حمل له في قبره من جوائز وأوسمة ونياشين.

و كم من فنون هي في النهاية مجرد لهو و قتل للوقت و مضيعة للعمر ! وكم من أشعار عظيمة السبك وهي مع ذلك غزل في المذكر، أو مدح لحاكم، أو هجاء موتور، أو زهو مغرور، أو تأله فارغ ! وهي فن متألق، و كلمات تخلب اللب.. ولكنها في الآخرة أوزار يتمنى صاحبها لو لم ينطق بها، و وصمة يتمنى لو يبرأ منها !

*قراءة منقولة من كتاب تأملات في دنيا الله للدكتور مصطفى محمود.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s